صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

268

تفسير القرآن الكريم

عقله وتقواه من غير عزم على الفعل ، كما قال تعالى في يوسف : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [ 12 / 24 ] « 1 » . وإذا كان دون ذلك في صفاء الفطرة والاستعداد ، فلا ينزجر بزاجر من الشرع والسياسة والناصح والأديب ، لخسّة نفسه وخبث جوهره ودنائة طبعه ، وكل يشتاق إلى ما يفعله بطبعه ويحبه ويستحسن ، وإن كان الآخر يعلم أن ضدّه أجود وأحسن ، كمحبة الزنجي ولده مع قبحه ، دون الغلام الترك مع علمه بحسنه . ولكل من القسمين مرتبة خالصة عن الآخر ، وطبقات متفاوتة متفاضلة يكون في كل منها نصيب من الآخر المقابل له ، ويكون النجاة ومقابلها بحسب الغلبة لصفات الخير على صفات الشر أو بالعكس . وبالجملة - فأعظم السعادات مطلقا لأجود الاستعدادات ، وأكمل الكمالات لأشرف الأرواح الذي هو القطب الحقيقي ، والحقيقة المحمّدية - وهو القطب المطلق - لا القطب الإضافي بحسب كل وقت وزمان - كسائر الأنبياء سابقا وسائر الأولياء لاحقا ، سيّما أولاده المعصومين - سلام اللّه عليهم أجمعين - كما قال اللّه تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ - إلى قوله - وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [ 2 / 253 ] وقوله : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [ 3 / 34 ] فله المرتبة العظمى في الاستعداد ، والسعادة الكبرى في المعاد ، المعبّر عنها « بأعلى عليّين » ، وكلما قصر الاستعداد نقصت السعادة وقصر العرض بينها وبين الشقاوة القصوى المعبّر عنها « بأسفل سافلين » فلكل صفو كدر ، ولكل صاف عكر ، وتقابل كل نور ظلمة ، وبإزاء كل حسن قبح . والسعادة قسمان : دنيوية وأخروية :

--> ( 1 ) فإن الهّم المنسوب إلى يوسف الصديق - على تقدير الوقف على وَهَمَّ بِها والانفصال عن « لولا أن رأى » - ليس بمعنى العزم - بل بمجرد الميل النفساني ، من غير طلب واستدعاء - كما فهمه بعض الناقصين وذهبوا إليه ، لذهولهم عن مقام الأنبياء والصديقين ( منه - رحمه اللّه ) .